فوزي آل سيف
43
أعلام من الأسرة النبوية
وهناك رواية تشير إلى أن عبد المطلب جد النبي هو الذي أرسل خلف حليمة السعدية[125] كما ذكرها العلامة المجلسي[126] عن الواقدي[127]لكن صياغة بعض تفاصيلها لا تقنع الباحث بقبولها وكأنها تجانب ما كان عليه الوضع في مكة وما حولها.. لكن يبقى احتمال أن يكون طلب عبد المطلب حليمة السعدية ليس بعيدا! وهذا يخالف تماما الرواية الرسمية المشهورة من أن المرضعات قد زهدن في رضاع (محمد) لأنه يتيم فلم يكنّ يتأملن الحصول على مال على أثر ذلك، حتى أخذته حليمة بعد أن ترددت في ذلك ولم تجد غيره! فلا ريب أن هذا المعنى مخالف للحقائق التاريخية الثابتة من أن عبد المطلب كان في وقته سيد قريش رئاسة دينية وزعامة دنيوية، وقد تحدثنا عن بعض أحواله فيما سبق من الصفحات. وكان الجميع يتشرف بالتقرب منه، وهو كافله هنا بعد وفاة أبيه عبد الله، فلا معنى لأن يقال إنه يتيم ولا مال له، وقد زهدت المرضعات فيه لأجل ذلك.. لا ريب أن هذا مخالف للواقع. ومثلما كانت تلك الفكرة مستنكرة وبعيدة عن الواقع، فإن هناك رواية في بعض مصادر الإمامية ترتبط بإرضاع النبي وهي كذلك ساقطة من حيث السند ومستنكرة من حيث المضمون والمعنى، مع أن بعض الطائفيين شنعوا على الشيعة بسببها جاهلين أومتجاهلين عن انها لا قيمة لها عند المحققين والعلماء، لسقوطها سنداً وعدم الاعتقاد بها مضمونا، وهي الرواية التي نقلها في الكافي عن ابي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال (لمّا ولد النبي مكث أياما ليس له لبن، فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه فأنزل اللّه فيه لبناً فرضع منه أياما! حتّى وقع أبو طالب على حليمة السعدية فدفعه إليها..)،[128]ويرد على هذه الرواية أن عدة من رجال السند لم يوثقوا بل ورد ًفي ذمهم أحاديث.. وكذلك فإن واضع الرواية من الغلاة كما نسبه لهم الشيخ اليوسفي ومحقق الكافي لم يلتفت إلى أن أبا طالب لم تكن له علاقة خاصة بالنبي الا بعد ثمان سنوات من ولادته حيث كان طيلة هذه السنوات تحت كفالة جده عبد المطلب ولم يكن لأبي طالب دور إلا بعد وفاة أبيه عبد المطلب. وثالثا: ما هو الوجه في هذه (المعجزة أو الكرامة)؟ فإنما تكون المعجزة للأنبياء لاثبات صدقهم مع دعواهم النبوة، أو تكون الكرامة للأوصياء وأمثالهم لبيان فضلهم واتصالهم بخالقهم.. فما شأنها هنا؟ نعم كل ذلك قد حصل للمرضعة حليمة معرفة فضل من ترضعه ورأت آثاره في بدنها (جمالاً وريًّا وامتلاءً)، ولأهلها وعيالها، بل ولدابتها خفة وسرعة، ومنطقتها خصبا ونماء.. كما تقدم في النص المذكور عنها. كيف يرتضع النبي من غير مؤمنة؟ ألا يؤثر ذلك على تكوين بنائه الداخلي وأخلاقه، ونفسيته؟ والجواب يكون من عدة جهات:
--> 125 ) المجلسي ؛ محمد باقر: بحار الأنوار 15/ 343 جاء فيها ما نصه عن غلام عبد المطلب مخاطبا زوجها (أعلم يا سيدي إن مولاي أبا الحارث عبدالمطلب قد وجهني نحوك، وهو يدعوك، فإن رأيت يا سيدي أن تجيبه فافعل ) فلما جاء زوجها أخبره بأن يأتي بزوجته لإرضاع حفيده! 126 ) المصدر السابق 344 127 ) الواقدي: محمد بن عمر بن واقد توفي سنة 207 هـ، عالم بالسيرة والمغازي والفتوح، وغيره عيال عليه فيها، اختلفوا في توجهه المذهبي فبينما قال عنه ابن النديم أنه يتشيع، قال الشيخ المفيد إنه عثماني الهوى بالميل عن أمير المؤمنين، كما ذكر عنه التستري في قاموس الرجال. ومثل هذا الاختلاف كان في رجاليي الجمهور، وهم في الغالب لا يوثقونه في الحديث ولكن يقولون إنه لا يستغنى عن رواياته في السيرة. 128 ) الكافي 1/ 448: عن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن علي بن المعلى، عن أخيه محمد، عن درست بن أبي منصور، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير.. قال العلامة المجلسي في مرآة العقول عنه إنه ضعيف.. واعتبرها الشيخ اليوسفي من وضع الغلاة.